“لماذا لا نسأل؟”.. معرض فني شبابي يهشّم نمطية التفكير وينفتح على حريّة النقد

كتب يوسف الشايب

“ما هي علاقة السلطة بالمعرفة؟”.. سؤال تصطدم به عند دخولك إلى دهاليز الأسئلة في معرض “لماذا لا نسأل؟”، الذي تنظمه مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، ويأتي تتويجاً لمسار عمل مجموعة من الشباب في رام الله، وغزة، والخليل، امتد لقرابة العام، في إطار مشروع يهدف إلى تعزيز ملكات التفكير النقدي وثقافة السؤال لديهم، وبدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ، وانطلق، مساء أول من أمس، في مدينة رام الله.

وتتنوع الأسئلة ما بين معرفي، ووجودي، وثقافي، وفلسفي، وسياسي، واجتماعي، مع أن البداية انطلقت من مساءلة موضوعة التعليم بكافة تفرعاتها، لتتخذ أشكالاً فنياً تكوّن في مجموعها مجموعات بصرية شكلّت معرضاً مغايراً على مستوى الشكل والمضمون.

أسئلة بكل الألوان والأشكال والتركيبات.. “ماذا نعني بأنسنة الإنسان؟”، “لماذا نحن هنا؟”، “لماذا جئنا إلى العالم؟”، “لماذا نتقدم في العمر؟”، “ما النهاية؟”، “الخوف .. هل يورّث؟”، “لماذا نخاف من الحرية؟”، “هل نصدّق الشعر أم التاريخ؟”، “ماذا نعني بالاحتكار الثقافي؟”، “من يضع لنا حدودنا؟”، “من أين تأتي المعاني؟”، “هل هناك أشياء تستحق الموت من أجلها؟”، “45 طالباً في الصف الواحد .. من يتحمل هذا الفشل؟ ومن يعوّضنا لاحقاً؟”، “هل يمكنني كطالب أن أمتلك ما أعلّمه للمعلم؟”، “لماذا يبكي الرجال عادة في السر؟”، “هل التاريخ حقاً كذبة؟”، “لماذا نتعلم؟”، “كيف يمكن تحويل التعليم إلى مقاومة؟”، “لماذا عليّ أن أقدم تنازلاً لأفعل شيئاً أحبّه؟”، وغيرها الكثير، ما يعكس وعياً كبيراً لدى طلاب تتراوح أعمارهم ما بين 16 و21 عاماً، إناثاً وذكوراً، قرروا فتح بوّابات الأسئلة على مصراعيها، دون حسابات مسبقة كما يفعل الكبّار ممن تكبّلهم قيود سياسية أو مجتمعية أو دينية أو غيرها.

وأشارت رناد القبّج، أن التفكير النقدي الذي هو محور المعرض الذي تشعب في أكثر من اتجاه، وإن كان اتكأ في الأساس على موضوعة “التعليم”، وبالتالي يجد المتجوّل في المعرض أن العديد من مادته عبارة عن أسئلة مرتبطة بهذا الموضوع، لافتة إلى أن الاتجاه نحو السؤال يأتي في مواجهة التلقين الذي هو السمة الغالبية لطبيعة التعليم في المدارس الفلسطينية.
وقالت: في المعرض مجموعة كبيرة من الأسئلة، وهذا يعني أن المسار لن يتوقف عند هذا الحد، فلا بد من التفكير في الإجابات التي من المفترض أيضاً أن تذهب أيضاً باتجاه التعددية والتنوع بعيداً عن “الجواب الأوحد” الذي لا يعطي متسعاً للتأويلات المختلفة.. ما يهمنا في المسار اللاحق العمل على إبعاد الشباب الفلسطيني عن المعرفة ذات المرجعيات الأحادية باتجاه المعرفة المتنوعة والتعددية، التي كان الانطلاق فيها عبر هذا المعرض ذي الأسئلة المتعددة والمتشابكة وذات الطابع النقدي.

وأضافت القبّج: مهم جداً أن يطرق باب المسؤولين، وإذا ما توفرت الإرادة عند الشباب فإن الجانب الرسمي قد يتفاعل مع هذه الإرادة بشكل إيجابي، وفق ما أخمّن، بحيث يتسع الحوار لا فقط ليشمل صنّاع القرار، بل باتجاه خلق حوارات مجتمعية، انطلاقاً من غابة الأسئلة في هذا المعرض، فثمة مئات من الأسئلة التي تتجاوز التعليم باتجاه قضايا مجتمعية ومعرفية وثقافية ووجودية، وأعتقد أن الحوار مع الجهات الرسمية والمجتمع عنصر أساسي لجهة تعزيز التفاعل مع ما طرحه الشباب في هذا المعرض من أسئلة، لا سيما أن السؤال لا يشكل جزءاً من ثقافتنا العامة، لا في المنزل ولا في المدرسة، ولا حتى على المستوى الأعم.

بدورها، أشارت الطالبة بيسان صافي، قائدة فريق “النخيل” في رام الله الذي كان شرارة هذا المعرض ومكوّنه، إلى أنه جاء نتيجة لمشروع التعليم التحرري، الذي كنّا نجهل ماهيته، وما زلنا لم نصل إلى اليقينية فيما يتعلق بوصف واضح لهذا النوع من التعليم، لافتة إلى أن الأسئلة التي بعضها بقي معلقاً بلا أجوبة خلال جلسات النقاش فيما بين أفراد المجموعة، هي الآن معلقة على جدران وفي المساحات المختلفة لمبنى مؤسسة تامر في مدينة رام الله.

وأشار رشيد القبّج مؤسس الفريق، قبل قرابة العامين، إلى أن الكثير من الأسئلة التي شكلت المعرض لم تحمل إجابات قطعية، أو أن إجابتها لم تكن موحدة، فأثارت انقسامات كما أثارت جدلاً ولا تزال، وهو الجدل الذي انتقل عبر الأسئلة منّا إلى جمهور المعرض، وذلك بهدف تحويل السؤال إلى ثقافة مجتمعية.

 


هذه المادة نشرت في صحيفة الأيام، وننشرها هنا بعد الحصول على الموافقة من قبل الصحيفة.

WP-Backgrounds Lite by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann 1010 Wien