”انتهاكات حقوق الإنسان تزداد سوءاً“ مقابلة مع صالح حجازي، مدير مكتب منظمة العفو الدولية في القدس

أجرى المقابلة: كاتيا هيرمان

كيف تصف الوضع الحالي لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟

لدينا في الأراضي الفلسطينية المحتلة نظام إسرائيلي مبني على القمع والتمييز بدأ منذ بدء الاحتلال في عام 1967 واستمر حتى يومنا هذا. يمكن رؤية هذا النظام في أنماط عمليات القتل غير المشروعة التي تتم دون أن يخضع أي شخص للمساءلة، وفي نمط التهجير القسري للأسر الفلسطينية، والإساءة الممنهجة لحقوق الأطفال الذين يتعرضون للاعتقال (بطرق كثيرا ما تتسم بالعنف) في منتصف الليل من قبل الجيش ويتم محاكمتهم أمام المحاكم العسكرية.

أما الأطفال الذين لا يجتازون هذه التجارب الوحشية، فلا تزال حياتهم تتسم وللأسف بالعنف والخوف. ممارسات مثل الاعتقال الإداري وإجراءات هدم المنازل العقابية تمتد بعمق في الحياة الأسرية الفلسطينية. وحياة العائلات الفلسطينية هي اختبار تحمل للعقاب الجماعي حيث يصعب الوصول إلى العمل أو المدرسة أو الجامعة أو المستشفى. هذا هو الوضع الآن. في قلب كل ذلك، مشروع الاستيطان الإسرائيلي. هناك نظام من التمييز والقمع المؤسسي الذي يخدم بشكل أساسي تقدم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.

من جانب آخر، وبالنظر إلى كل الانتهاكات التي يواجهها الفلسطينيون، هناك المستوطنات. على الرغم من أن إقامة المستوطنات يعني انتهاكا للقانون الإنساني الدولي، ووفقا لنظام روما الأساسي فإن بناءها هو جريمة حرب، فإننا نرى بناء المنازل لا هدمها، وتطوير المدارس بدلا من تفكيكها ونرى المستوطنين يتحركون بحرية داخل المستوطنات وفي إسرائيل، وأحيانًا من خلال طرق منفصلة لا يمكن للفلسطينيين استخدامها. يحصلون على حوافز لتطوير أعمالهم؛ لديهم إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية من حولهم. ويتمتع الأطفال بالحماية كما ينبغي بقانون مدني لا بقانون عسكري – قانون مدني يكون عاجزا فعلاً عندما يهاجم المستوطنون الفلسطينيين أو ممتلكاتهم. إذاً ، هناك اضطهاد وتمييز راسخان موجودان بشكل أساسي لتعزيز جريمة الحرب. هذا هو السياق العام.

كمنظمة عفو دولية، فأنت تقدمون التقارير باستمرار لصناع القرار والحكومات والمجتمعات المدنية. ما هي ردود الفعل على تقاريركم من الجانب الإسرائيلي؟

كجزء من سياستنا، نحن نتواصل مع السلطات الإسرائيلية، ونشاركها مخاوفنا والنتائج التي نتوصل إليها كما ونطرح أيضا الأسئلة. إلا أن السلطات الإسرائيلية لا تتعامل معنا. كانت آخر مرة عقدت فيها منظمة العفو الدولية اجتماعاً مع مسؤول إسرائيلي في عام 2012. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، يبدو أن هناك سياسة إسرائيلية بعدم التعامل مع منظمة العفو الدولية، بل تقوم اسرائيل بمهاجمتنا بعد صدور أي تقرير، كما رأينا مؤخرًا بعد أن أصدرنا تقريرًا في 31 كانون ثاني/يناير من هذا العام عن الدور الذي تلعبه شركات الحجز عبر الإنترنت مثل TripAdvisor و AirBnB وExpedia  و booking.com في مشاريع الاستيطان الإسرائيلي.  في أعقاب التقرير تلقينا رد فعل عنيف للغاية من الوزراء الإسرائيليين، الذين هدد بعضهم بطرد منظمة العفو الدولية من البلاد، وبعدم السماح  لأي موظف أجنبي تابع لمنظمة العفو الدولية بالدخول إليها. هذا هو رد الفعل المعتاد، ولكنه أيضًا رد الفعل النموذجي للحكومات الأخرى على مستوى العالم كلما أُنتقدت. يزعمون أن التقرير منحاز، وغير مستقل، بدلاً من الانخراط معنا بصدق ومسؤولية في المزاعم والادعاءات التي نقدمها.

نسمع أيضًا عن انتهاكات حقوق الإنسان تقوم بها السلطات الفلسطينية، بشكل خاص السلطة الفلسطينية في رام الله وحماس في غزة. من تستهدف هذه الانتهاكات بشكل أساسي وما هي الأنماط الرئيسية لانتهاكات حقوق الإنسان؟  

الأنماط الرئيسية لانتهاكات حقوق الإنسان من قبل السلطات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة هي انتهاكات الحق في حرية التعبير وحرية التجمع والحق في عدم التعرض للتعذيب. ولسوء الحظ، فإننا أيضا نرى أنماطًا يتم فيها استهداف المعارضين الذين يعارضون السلطات أو ينتقدونها بهذه الانتهاكات. في منظمة العفو الدولية، تصدينا لهذه الانتهاكات بشكل منهجي منذ الاقتتال الداخلي الفلسطيني عام 2007. فعلى سبيل المثال، كانت هناك في الآونة الأخيرة حملة واسعة النطاق في غزة بعد أن تجمع الناس للاحتجاج على ظروف معيشتهم. وعلى الرغم من أنهم لم يكونو ينتقدوا حماس وحدها، وانتقدوا أيضًا السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وانتقدوا إسرائيل، وهي المسؤولة بشكل أساسي عن السكان في غزة نظرًا لأنها القوة المحتلة التي فرضت حصارًا عسكريًا منذ أكثر من اثني عشر عامًا حتى الآن إلا أن حماس قد رأت في الاحتجاح تهديدا وشنت حملة قمع وحشية ضد الاحتجاجات. واستخدمت السلطات في غزة الاعتقال التعسفي والقوة المفرطة والتعذيب ضد المتظاهرين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين كانوا على الأرض يرصدون ويوثقون الوضع.

من المسؤول عن انتهاكات حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة؟

إسرائيل هي القوة المحتلة وتتحمل المسؤولية الرئيسية على المنطقتين والسكان الفلسطينيين في داخلهما. وإسرائيل هي أيضا مسؤولة عن معظم انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها الفلسطينيون ومجموعة واسعة منها. ولكن السلطات الفلسطينية مسؤولة أيضاً عن انتهاكات حقوق الإنسان للفلسطينيين. ويرتكب معظم هذه الانتهاكات قوات الأمن، مثل المخابرات العامة والأمن الوقائي والشرطة نفسها في الضفة الغربية. وتشمل الانتهاكات استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، والاعتقالات التعسفية، أو استخدام التعذيب ضد المعتقلين أثناء الاستجواب، أو حتى في لحظة القبض عليهم. في غزة، ما رأيناه مؤخرًا هو مزيج من الجهات الفاعلة: قوة شرطة حماس، والقوات التابعة لوزارة الداخلية، وكذلك تقوم قوات الأمن الداخلي بشكل أساسي باعتقال المعارضين وغيرهم. وتتبع قوات الأمن في الضفة الغربية بشكل مباشر إلى الرئيس، وفي غزة فإنها تتبع لوزارة الداخلية.

تتلقى قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية دعما من أوروبا والولايات المتحدة. كيف تتعامل الدول المانحة مع حقيقة أن قوات الأمن نفسها تنتهك حقوق الإنسان؟

نرفع لهم التقارير، ونقدم توصيات لممولي السلطات الفلسطينية في الضفة الغربية بضرورة مراجعة المساعدة الأمنية لهذه القوات حتى يتم التأكد من احترامهم لحقوق الإنسان. على سبيل المثال، أنشأ عدد من الدول الأوروبية بعثة الشرطة الأوروبية في فلسطينEUPOLCOPPS ، وهي مؤسسة توفر التدريب وبناء القدرات للشرطة الفلسطينية وتدعم برامج حقوق الإنسان التي تم إنشاؤها لسنوات عديدة حتى الآن. لكن ما نراه ليس تنمية على الإطلاق – بل على العكس، نرى أن انتهاكات حقوق الإنسان تزداد سوءًا، وتصبح أكثر منهجية. هنا يوجد تواطؤ – عندما يتم تمويل هيئات تنفذ انتهاكات لحقوق الإنسان. تقع على عاتق الدول المانحة، وخاصة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مسؤولية التراجع عندما يتعلق الأمر بالمساعدة الأمنية وإرسال رسالة واضحة إلى السلطات الفلسطينية في الضفة الغربية بأنها لن تتسامح مع انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها هذه السلطات بمصادر من هذه الدول.

يتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان لضغوط متزايدة في جميع أنحاء العالم. كيف تصف التحديات الرئيسية التي تواجه المدافعين عن حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟

إنها أشياء كثيرة. إنها القدرة على القيام بالعمل على أرض الواقع، والتحرر من القيود التشريعية والإدارية للوفاء بمهامنا. سوف أعطيك مثالين حدثا لنا. في حزيران/يونيو الماضي، كان زميلي على الأرض لمراقبة المظاهرات السلمية التي دعت السلطات الفلسطينية في الضفة الغربية إلى رفع العقوبات عن غزة. بمجرد أن أمسك هاتفه لتصوير شخص احتُجز وتعرض للضرب بصورة تعسفية، احتُجز هو نفسه بشكل تعسفي على أيدي رجلين يرتديان ملابس مدنية. لم يعرفا بنفسيهما وقاما بضربه وسحبه بعنف إلى سيارة الشرطة، حيث واصل رجال من الشرطة يرتدون الزي الرسمي ضربه خارج السيارة، ثم داخل السيارة. ظل محتجزاً لمدة ثماني ساعات قبل إطلاق سراحه.

هناك ما لا يقل عن 52 شخصا آخرا من الذين تعرضوا لمثل هذه المعاملة أيضا. لذلك، هناك وضع خطير عندما يكون العمل على الأرض. وينطبق الشيء نفسه عند مراقبة المظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي وسياساته ومستوطناته. إن استخدام القوة المفرطة هو القاعدة، حتى لو لم يكن يستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان أو الصحفيين أو الأشخاص الذين يوثقونها – لأنه في كثير من الأحيان يستهدفهم – إلا انهم رغم ذلك يتأثرون باستخدام هذه القوة المفرطة كثيرًا. يتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان للقتل والإصابة. هناك أيضًا قوانين للسلطة الفلسطينية تقيد قدرة منظمات المجتمع المدني على العمل وعلى تأدية وظائفها. فعلى سبيل المثال، نحن مسجلون كشركة غير ربحية لنكون قادرين على تلقي الأموال. ووفقًا للقانون، نحتاج إلى الحصول على إذن من وزارة الاقتصاد في السلطة الفلسطينية، ما نعتبره قيدًا كبيرًا على عملنا. الوضع هو أننا محاصرين من كلا الجانبين، الجانب الإسرائيلي والجانب الفلسطيني. ومن الأمثلة على ذلك المدافع عن حقوق الإنسان عيسى عمرو، الذي يواجه الآن محاكمتين في الوقت نفسه. إحداها في المحكمة العسكرية الإسرائيلية، حيث يواجه اثني عشر اتهامًا لقيامه بنشاطه لاعنفي بشكل أساسي. نحن نؤمن بضرورة إسقاط جميع التهم الموجهة اليه.  وهو أيضا يواجه المحاكمة في محكمة فلسطينية بسبب تعبيره عن آرائه في رسالة على موقع فيسبوك تنتقد السلطة الفلسطينية لاعتقالها صحفيًا. عيسى هو مثال جيد للغاية للمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يؤمنون بالنشاط السلمي ويتعرض للمحاكمة من قِبل سلطاتين في نفس الوقت.

 وقعت السلطة الفلسطينية المعاهدات الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان. ما الذي تطلبه من الحكومة الفلسطينية الجديدة فيما يتعلق بحالة حقوق الإنسان؟

الجواب متضمن في سؤالك. يجب عليهم الوفاء بالتزاماتهم وفقًا للقانون الدولي. أصبحت دولة فلسطين الآن طرفًا في غالبية معاهدات حقوق الإنسان، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ووفقًا للقانون الدولي أصبحت الآن ملزمة باحترام حقوق الإنسان وتعزيزها. إننا ندعو رئيس الوزراء الجديد محمد إشتية إلى عكس الاتجاهات التي ظهرت في السنوات الأخيرة. وكخطوة أولى يجب عليهم احترام حرية التعبير وحرية التجمع ووقف التعذيب بالكامل. وقعت فلسطين على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب في ديسمبر 2017، والذي يتطلب إنشاء هيئة مراقبة وطنية للنظر في مراكز الاحتجاز. نعتقد أنهم قد تأخروا كثيرا بالفعل، وكان يجب أن يتم إنشاءها بمجرد توقيع هذا البروتوكول الاختياري، لكنني أعتقد أن هذا أيضًا هو  أحد المهام الرئيسية للحكومة الجديدة. من المهم جدا أن يفعلوا ذلك!

صالح حجازي هو رئيس مكتب القدس (إسرائيل/ فلسطين) ونائب المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية. أجرت المقابلة كاتيا هيرمان، رئيسة وحدة غرب آسيا في مؤسسة روزا لوكسمبورغ في برلين.

 

WP-Backgrounds Lite by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann 1010 Wien